ابن قيم الجوزية
200
الروح
بل الخيرة وكل الخيرة في التسليم له والقول به ولو خالفه من بين المشرق والمغرب . فأما قولكم : نرده بقول مالك في موطئه : لا يصوم أحد عن أحد . فمنازعوكم يقولون : بل نرد قول مالك هذا بقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فأي الفريقين أحق بالصواب وأحسن ردا . وأما قوله : وهو أمر مجمع عليه عندنا لا خلاف فيه . فمالك رحمه اللّه لم يحك إجماع الأمة من شرق الأرض وغربها ، وإنما حكم قول أهل المدينة فيما بلغه ، ولم يبلغه خلاف بينهم ، وعدم اطلاعه رحمه اللّه على الخلاف في ذلك لا يكون مسقطا لحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، بل لو أجمع عليه أهل المدينة كلهم لكان الأخذ بحديث المعصوم أولى من الأخذ بقول أهل المدينة الذين لم تضمن لنا العصمة في قولهم دون الأمة ، ولم يجعل اللّه ورسوله أقوالهم حجة يجب الرد عند التنازع إليها ، بل قال اللّه تعالى : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا « 1 » . وإن كان مالك وأهل المدينة قد قالوا : لا يصوم أحد عن أحد ، فقد روى الحكم بن عيينة وسلمة بن كهيل عن سعد بن جبير عن ابن عباس أنه أفتى في قضاء رمضان [ أن ] « 2 » يطعم عنه وفي النذر يصام عنه . وهذا مذهب الإمام أحمد وكثير من أهل الحديث وهو قول أبي عبيد ، وقال أبو ثور : يصام عنه النذر وغيره ، وقال الحسن بن صالح في النذر : يصوم . فصل [ قول ابن عباس في حديث الصوم ] وأما قولكم [ أن ] « 3 » ابن عباس هو راوي حديث الصوم عن الميت ، وقد قال : لا يصوم أحد عن أحد ، فغاية هذا أن يكون الصحابي قد أفتى بخلاف ما رواه ، وهذا لا يقدح في روايته ، فإن روايته معصومة وفتواه غير معصومة ، ويجوز أن يكون نسي الحديث أو تأوله أو اعتقد له معارضا راجحا في ظنه أو لغير ذلك من
--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية 59 . ( 2 ) زيدت على المطبوع للسياق . ( 3 ) زيدت على المطبوع للسياق .